
واحدة من الأشياء القليلة التي أحترمتها في النظام المصري الحديث - اعني الحكومة - , هو مشروع سوزان مبارك القومي للترجمة, وهو مشروع يوفر كتب علمية وأدبية بترجمات جيدة نسبيا. وحقيقة انا احترم الترجمة المصرية للأعمال العلمية , خصوصا العلوم البحته , مثل الفيزياء والرياضيات , اشعر لسبب ما ان المصريين متفوقين في هذا المجال من الترجمة , مقابل تفوق السوريين واللبنانيين في ترجمة الأعمال الأدبية , الروايات على سبيل المثال.
السفر في الزمان الكوني , كتاب أشتريته منذ اكثر من خمس سنوات تقريبا , من الجناح المصري في معرض الكتاب الكويتي , اهملته لفترة طويلة رغم اهتمامي الكبير وقتها في موضوعه , الا انني باشرت قراءته قبل فترة بسيطة , وأكتشفت مدى رشاقة الكاتب والمترجم سويا في توصيل مجموعة من الأفكار, التي أقل ما يقال عنها انها مجنونة , بسلاسة ويسر قل نظيرها في المجال العلمي المشابه.
يتحدث الكتاب ببساطة عن السفر عبر الزمن , تلك الفكرة المجنونة التي طرقها الأدب قبل سنين طويلة , فحركت قلوب الآلاف بل مئات الآلاف من عشاق الخيال والأدب , لكنها حركت القليل من العقول المجنونة , فتناولها البعض على إستحياء , إلى أن أتى آينشتاين بشعره المنفوش وجنونه الطفولي , وقال ان الزمان والمكان يشكلان منظومة واحدة , وأن الفضاء له أربعة أبعاد , رابعها الزمن.
الزمكان - كما يسميها البعض - , وهي منظومة الزمان والمكان , عبارة عن كيان واحد , لا معنى للزمان بدون المكان , هكذا تحدث آينشتاين , لا معنى لمقولتك ان النجم الفلاني في الموقع الفلاني , ما لم تذكر الزمان الذي يحدد وجوده , فالنجوم تتحرك , والكون يتمدد , وينحني , هكذا يكون الزمان بعدا رابعا لأبعاد الكون.
يتطرق الكتاب لكثير من المواضيع الفيزيائية - الفيزياء النظرية تحديدا- المقاربة لمسألة الزمن والسفر عبر الزمن , وكان للثقوب السوداء نصيب الأسد , ذلك ان الكثير من العلماء يدعون ان الثقوب السوداء هي طريقنا للسفر عبر الزمن , ذلك ان الثقوب السوداء حسب هؤلاء العلماء تشكل أنفاقا في الفضاء تصل بين عالمنا - كوننا - والعوالم الأخرى - الأكوان الأخرى - , وعلى قدر ما تبدو هذه الأفكار جنونية ومحظ خيال علمي , إلا ان الكثير بل لنقل الغالبية منها تم إثباته بمعادلات رياضية صحيحة ومقبولة رياضيا ..!
حقيقة , لا ادعي انني افهم كل فكرة في الكتاب , ذلك انك تحتاج لمخيلة مجنون لتتفهم بعض الفكر فيه , ولا أدعي أنه من الكتب التي تعطيك الرضا عن نفسك وتعدل من تعاملك مع الآخرين - مثل الكتب الرائجة في مكتباتنا عن تطوير الذات !- , إلا أنه كتاب يحملني من سريري يوميا ويطير بي إلى مجرات بعيدة , فأتفحصها , أراقب إنحناء الكون لمرورها , فكتلتها الضخمة تجبر الكون على الإنحناء , فيتمدد الزمن , أو ينكمش , فأشعر بنشوة السكر , لعله وهم ما يقدمه علماء الفيزياء , لكنه وهم منعش ومثير , ويجعلك تشعر باللاحدود التي تملكها , مقابل حدودك الضيقة التي تختار مقتنعا ان تفرضها على نفسك في أحيان كثيرة ..!